فوزي آل سيف
11
الأمراض الاخلاقية: نظرة جديدة في عوامل السقوط
ولولا أن نخرج عن مسار البحث، لكان هناك مجال واسع للتفصيل في إثبات القصة وبيان الدروس والعبر منها! ومما أشار إليه القرآن الكريم، الدور الخبيث الذي يقوم به البخيل في إشاعة هذه الخصلة السيئة في المجتمع فهو لا يكتفي بالآثار التي ستترتب عليه هو حيث يبخل (عن) نفسه (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ)، واستعمال الحرف (عن) أبلغ من على، فإن في معنى (عن) التجاوز والتخطي، يعني أنه يبخل متجاوزا حظ نفسه، وهو أنسب لما بعده من قول الله تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْركُمْ). بل يتجاوز الأثر الفردي إلى الاجتماعي عندما يكون من أولئك الجماعة (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) فهؤلاء أولا هم جماعة متعاضدة مترابطة وليسوا أفرادًا، وهم أيضًا يأمرون الناس بالبخل، ويظهر أن الأمر لا يختص بكتمان العلم كما ذهب إليه بعض المفسرين، وإنما يشمله والمال أيضًا وشاهده أن ما بعد هذه الجملة جاءت بكتمان العلم (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، مما يشير إلى تخالفهما وتغايرهما ولذلك لا نعتقد أنها خاصة باليهود كما ذهب إليه بعضهم. إن البخيل يرى في وجود السخي فضيحة له، فيتمنى لو لم يكن هناك أسخياء، وإذا وجدوا سعى لتحذيرهم من العطاء، وتوعده بالفقر والمستقبل المظلم، وأن طريقته تلك تنتهي إلى إتلاف الأموال[17]! أو ربما قال له إن من تعطيهم كذابون، وليست حاجتهم حقيقية، وإنهم مزورون! ولا بد من التأكد قبل دفع الأموال، بالرغم من أنه لا يخسرها من جيبه! لكن كما قلنا فإن وجود السخي هو فضيحة للبخيل! فلا يستطيع تحمل وجوده! توسعة مفهوم البخيل في الأحاديث: بالرغم مما قدمنا من تعريف البخل والبخيل، وأنه من يمنع ماله وفضله عمن لا يستحق أن يُمنع عنه، وكأنه أخذ فيه جانب التفضل والامتنان على الغير، إلا أن بعض الروايات أضافت مصاديق أخر للبخيل، وكأنها وسعت دائرة البخيل. فمن تلك الروايات، ما عن نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله، يقول: "إِنَّمَا الْبَخِيلُ حَقُّ الْبَخِيلِ مَنْ لَمْ يُؤَد الزكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ مِنْ مَالِهِ، وَلَم يُعْطِ النَّائِبَةَ فِي قَوْمِهِ، وَهُوَ يُبَذِّرُ". فبينما تراه مثلا في القضايا الاجتماعية سخيًا ففي كل يوم له دعوة، وبيته لا يخلو من المدعوين إلى الطعام! وهذا بالتعريف السابق ليس بخيلا، إذ أنه لم يمنع ماله من يستحقه، بل ربما دعا من لا يستحق وأطعمه، فهو بناء على هذا ليس بخيلا بالتعريف المذكور، ولكنه في ما يرتبط بالواجبات المالية التي أوجبها الشرع كالزكاة (والخمس عند الامامية) يكف يده ولا يؤدي ما فرض عليه! هنا قد عبرت عنه الرواية النبوية أنه البخيل حق البخيل! وكأن النبي صلى الله عليه وآله يريد القول: إنه إذا كانت القضية قضية سخاء نفس وسبق عطاء، فينبغي أن يكون سخاء الإنسان في أداء حق الله عز وجل أسرع من حركته في العطاء الاجتماعي المستحب، لا سيما مع قيد أنه البخيل من يمنع من لا يستحق! ولا ريب أن ما جعله الله واجب الانفاق كالزكاة وباقي الحقوق المالية هي مما لا يصح أن تمنع، وأن حق الله أولى بالمراعاة.
--> 17 (قال ابن أبي الحديد في شرح النهج 6/ 65.. ان قيس بن سعد بن عبادة كان مع بعض أصحاب النبي في سفر في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، فكان ينفق عليهم ويفضل. فقال له أحدهم إن هذا لا يقوم به مال أبيك، فأمسك يدك!، فلما قدموا من سفرهم، وعلم والده سعد بن عبادة بمقالته قال له: أردت أن تبخّل ابني؟، إنا لقوم لا نستطيع البخل!.